|
العراق تحوّل إلى (بيّاع نفط)..والحكومة(محاسب رواتب) |
|
|
|
Wednesday, 14 October 2009 |
|
مشكلات العراق أكبر من الوعود وأعصى على( الشعارات الأنانية) للتنافس الانتخابي

مشكلات العراق التي خلفتها سبع سنين من الحرب والنزاعات والإهمال والفساد والمعالجات الفاشلة، ليست سهلة، هي بتعبير مراقبين سياسيين ((أكبر من الوعود التي تطلقها عناصر السلطة بين آن وآخر لأسباب شتى، وأعصى على الشعارات الأنانية التي يتنافس بها المرشحون لكرسي البرلمان أو لعضوية مجلس محافظة)). ولأن عيون الحكام شاخصة فقط الى موارد النفط، فإنّ خططهم وبرامجهم لن يُكتب لها النجاح، بعد أن فضح (تدنّي أسعار النفط في الأسواق العالمية) فحولتهم السياسية، وأكد لهم وللمواطنين على حد سواء تحوّل بلدنا الى مجرّد (بياع نفط).. وتحوّل الحكومة الى مجرّد (محاسب) مسؤول عن دفع رواتب (الجندرمة).
إن التكتيك السقيم الذي يشكل (جوهر حراك) سياسيينا، لم يعد حالا معزولة، أو (مجرّد) كلام لناخبي حزب يُساق على عواهنه بهدف إغرائهم وتوريطهم بمنح أصواتهم للمرة الثالثة من دون أن يكون هناك بصيص أمل بتحقق شيء. ولهذا ينظر الناس لوعود رئيس الحكومة كما لو أنها كلام عابر، يلطف به المالكي "خواطر المواطنين المعذبين" بأن يضع العصابة على عينيه لكي لا يرى جراحهم النازفة، ويكتفي بقول كقول المعزين في الملمات ((كل شيء سيكون على ما يرام)).
العراق الآن (بلد لا ينتج) و(بلد عاطلين) و(بلد مخاطر) وبلد ذو ميزانية محدودة معروفة من الآن وحتى عشر سنوات في الأقل (70 مليار دولار تخصيصات سنة 2010) فكيف يمكن إطلاق الوعود في إعادة البناء وفي التطوّر الاقتصادي والثقافي والعلمي، وقوات البلد الأمنية (التي خلقت للمالكي صيت نجاحه وفوزه وشعبيته) مستنفدة الميزانية المالية، ومهددة بفقد أغلبها السنة المقبلة (طبقاً لرأي الحكومة) وعاجزة في الوقت نفسه عن تدبير شراء احتياجاتها من الأسلحة والمعدات، بحسب رأي أحد الجنرالات الأميركان الموجودين في العراق. إن أزمات البلد في كل جانب من جوانب حياته مستعصية الحل تقريباً، وما فتئ سياسيوه وحكامه يشغلون الناس بكلام دافئ لا يتعدى كونه (وعوداً جوفاء) حتى وصل الأمر –على سبيل المثال- بقبول أن تشحن سفن إيرانية مياه الشرب للبصرة بعد أن ضربها الجفاف وبعد انتقال مياه البحر المالحة الى الأهوار والأنهر الواطئة. إنّ ميزانية الإنفاق الشهري الحكومية باتت مثقلة جداً برواتب الجنود وأفراد الشرطة، حتى تحوّلت الآن إلى معيق كبير في طريق إعادة البناء والتعمير.. بهذه اللغة تحدث رئيس الوزراء نوري المالكي، محذراً من احتمالية إجراء تخفيض في عدد القوات الأمنية، فقط بينما تنسحب القوات الأميركية المقاتلة من العراق.
وطبقاً لرأي محلل سياسي في وكالة الأسوشييتد برس، فإنّ من المشكوك به أنْ يقوم المالكي بقطع عميق التأثير في جسد القوات الأمنية (الجيش والشرطة) خاصة إذا ترافق ذلك مع نهاية مهمة القوات الأميركية حتى آب من السنة المقبلة. لكن هذه النظرة قد تعكس تحولاً في أولويات الحكومة، إذا ما خفّ العنف بدرجات أكبر، الأمر الذي يجعل الحكومة فعلاً أمام تزايد طلبات إنفاق الأموال على إعادة بناء الطرق، وشبكات الكهرباء، والخدمات الأخرى، التي تعرّضت للدمار بسبب الحرب والنزاعات، أو بسبب الإهمال.
ولكنّ كلمات المالكي هذه، ربما تكون (مسوّقة) أو هي منتقاة بدقة، لتشير إلى مقاصد مرحلية. فهناك من يرى أنه يأمل أن تكون وعوده بشأن تخفيض القوات، لتمويل مشاريع البناء المدني التي تعني ضمنياً الوثوق من التحسن الأمني، مفيدة لحزبه في الانتخابات الوطنية التي ستُجرى في كانون الثاني المقبل. لكنّ أسعار النفط التي تميل الى الانخفاض، ستبقي ميزانية العراق (مضغوطة) وقد تُجبر الحكومة على بعض الخيارات القاسية في جانب الإنفاق.لقد قال المالكي إن معظم تخصيصات ميزانية السنة المقبلة 2010، يجب أن تذهب الى إعادة البناء، بدلاً من الأمن، مثيراً بذلك تساؤلات كثيرة بشأن (أبواب الإنفاق الأمني) التي سيشملها القطع. إنّ ثلاثة أرباع ميزانية العراق للسنة الحالية والتي تبلغ 58.6 مليار دولار، استعملت لتطوير الوزارات الأمنية، ودفع رواتب منتسبيها (أكثر من 640,000 جندي وشرطي في القوات الأمنية).
ورئيس الوزراء أخبر مجموعة من رجال الأعمال اجتمعوا في منتدى اقتصادي ببغداد أن هذه التفاصيل في الإنفاق ((ظاهرة خطرة على الاقتصاد العراقي))..وأوضح قائلاً: ((بدلاً من تخصيص 74% من ميزانية هذه السنة لدفع الرواتب، نحن نعتقد أن جزءاً كبيراً من ميزانيتنا يجب أن يذهب الى إعادة البناء)).
وكانت الحكومة العراقية مضطرة لإجراء تخفيضات ضخمة في ميزانية السنة الحالية 2009، ولمرتين في ضوء تدنّي أسعار النفط في الأسواق العالمية بعد ان كان مما يقرب من 150 دولارا للبرميل. وقد عادت أسعار النفط الخام منذ ذلك الوقت الى الحال الطبيعية بعض الشيء، سامحة لصنّاع القرار العراقي باقتراح التخصيص الأعلى لميزانية السنة المقبلة 70 مليار دولار، لكنّ هذا المبلغ يبقى بعيداً جداً عن الحاجة الحقيقية للإنفاق المالي. والتركيز على إعادة البناء بدلاً من الأمن، يعد مؤشراً على (رحيل المالكي) الذي بنى سمعته في سلطته الحكومية –كما يقول المحلل السياسي للأسوشييتد برس- على حال الانخفاض الثابت في العنف على مدى السنتين الماضيتين. لكن الهجمات الكبيرة مازالت تحدث. وفي آب، قتل نحو 100 شخص في انفجارين متزامنين لشاحنتين مفخختين، استهدفتا وزارتي المالية والخارجية في وسط العاصمة.
ولقد أدى ذلك إلى أن يواجه المالكي وابلاً من النقد بسبب الأخطاء الأمنية التي سمحت لمنفذي الهجمات بقيادة شاحناتهم من خلال نقاط التفتيش، ووضعها بالقرب من مبنى الوزارتين في منطقتي الكرخ والرصافة. وفي ضوء هذه الانتقادات، أمر المالكي بزيادة نقاط التفتيش، وبنصب جدران الكونكريت المضادة للانفجار في الأماكن التي كان قد أمر من قبل بإزالتها منها!.
كما أصرّت حكومة المالكي أيضا على أن القوات الأمنية تحتاج الى الكثير من السلاح والمعدات والأجهزة. من جانبها قالت البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) إن ميزانية العراق تعاني من عجز مالي، وهذا ما أدى الى إعاقة جهود الحكومة لشراء سفن كافية، وطائرات، وأسلحة. وأبطأ العجز المالي أيضا سلسلة من احتياجات الغذاء والوقود للقوات الأمنية. وفي هذا الصدد يقول الجنرال جون جونسون، الذي يشرف على التخطيط العسكري الأميركي في العراق: ((أعتقد أن الميزانية المالية للعراق مشكلة كبيرة بالنسبة للحكومة، لأنها غير كافية لتجهيز الجيش بمتطلباته العسكرية التي تديم أداءه)).
وتبقى الأسئلة مفتوحة أيضا، ما إذا كان العراق قادراً على إتمام التزاماته في إطار قيود ميزانيته للاستمرار في دفع رواتب مجاميع المتمردين السُنّة السابقين الذين يُعرفون باسم (مجالس الصحوة) والذي التحقوا بالقوات الأميركية في قتالها ضد تنظيم القاعدة في العراق.
ويشار الى أن زعماء مجالس الصحوة، يشتكون لفترة طويلة من تأجيلات دفع رواتبهم من قبل الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة، وهذا الأمر يزيد بعمق ارتياب هذه المجموعات المسلحة التي تقوم بواجبات مهمة في حراسة مناطق واسعة في بغداد والمحافظات المختلطة أو ذات الغالبية السُنّية في سكانها. ويقول الجنرال جونسون تعليقاً على ذلك: ((مازال هناك عدد من هؤلاء ممن لم تُدفع لهم رواتبهم بسبب عجز الميزانية لهذه السنة)). والمتوقع –كما تقول وكالة الأسوشييتد برس- أن تقوم حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي بدفع رواتب مضاعفة هذا الشهر تعويضا عن الدفعة المؤجلة، طبقاً لما أكده الجنرال.
وفي إطار حالات التحسن في الوضع الأمني، وجّه العراق انتباهه أكثر من ذي قبل على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، مثل الماء النظيف الصالح للشرب، والكهرباء. لكنّ ذلك لم يحقق طفرة نوعية في سياق ما يحصل عليه المواطن في الوضع الاعتيادي، ولهذا فإن شكاوى الناس مستمرة من النقص في الماء وفي الطاقة الكهربائية. وكانت التظاهرات الأخيرة التي خرجت للاعتراض على نظام القوائم المغلقة الذي تبنته بعض الكتل، قد ركزت في شعاراتها على المطالب الخدمية، مؤكدة أن الحكومة لم تحقق شيئاً ذا قيمة خلال السنوات الأربع التي تسلم فيها المالكي رئاسة الوزراء.
وعلى الساحل الخليجي للعراق -من جانب آخر- وافقت إيران على تزويد العراق بحصص منتظمة من مياه الشرب، موجهة الى المناطق التي ضربها الجفاف،طبقاً لمسؤول عراقي في مجلس محافظة البصرة. ويدعو هذا الاتفاق السفن الإيرانية الى إيصال نحو 650,000 لتر من مياه الشرب كل يومين، بحسب تأكيد المسؤول البصري الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن اسمه، لأنه غير مخوّل في التحدث لأجهزة الإعلام. وقال المسؤول إن الشحنة الأولى من المياه وصلت الأسبوع الماضي، والثانية كانت راسية في ميناء الفاو يوم الإثنين الماضي.
إن المنطقة الجنوبية من العراق على وجه التحديد تواجه الآن مجموعة من المشكلات القاسية كنتيجة للجفاف، وفقدان تجهيزات مياه الشرب، بينما تندفع مياه البحر المالحة إلى الأهوار والأنهار المنخفضة. إن أهم رافدين في حياة البلد (الماء) (والنفط) الأول مهدد بإجراءات تركيا وإيران، اللتين تستطيعان خنقنا بسهولة، والثاني يعتمد (وبصورة مطلقة) على تفاعلات الأسواق العالمية، وأية أزمة نفطية دولية يمكن أن تحولنا الى (شحاذين) لأننا الآن بلا صناعة ولا زراعة، فكأننا (عملة بلا رصيد).
المصدر: الملف برس
|