|
ظاهرة اياد علاوي ... الى اين ؟ |
|
|
|
Saturday, 30 January 2010 |
|
من المبكر الحديث عن دولة المؤسسات في العراق الحالي دون الاشارة الى الرموز السياسية . فالثقافة السياسية العامة لدينا ، في مرحلتها الانتقالية ، لاتزال تعتبر الفرد – القائد ، وليس المؤسسة القيادية ، محور التغيير . تستند تلك الثقافة في الجانب الاهم منها الى افتقار تاريخنا الى العمل السياسي المؤسسي ، لكن هذا لايلغي حتى في تلك الاوضاع ، تميز بعض الرموز السياسية في العمل على اقامة دولة المؤسسات . ان دولة المؤسسات لاتقوم الا على مبدا المواطنة الذي يستلزم عدم التمييز بين المواطنين على اساس الدين او المذهب او الطائفة او الجنس او اللون او اللغة او العرق ، كما ان تلك المفاهيم بحاجة الى صيانتها وحمايتها بقوة القانون والقدرة على تنفيذه .
من هنا ، لايمكن تناول تاريخ العراق لما بعد احداث 9 – 4 – 2003 بالدراسة والتحليل والنقد دون التوقف عند اياد علاوي ، فالرجل يشكل ظاهرة لايمكن تجاهلها من قبل اي من خصومه او مؤيديه او غيرهم على حد سواء .قد يرى البعض ان في مثل هذا التقييم نوعا من النزعة الى ثقافة اختزال الدولة او المؤسسة السياسية بالفرد – الرمز ، وهو صحيح الى حد ما ، الا ان من الواقعية ايضا انصاف الفرد الذي يشكل الركن الاساس في الفكر الليبرالي سيما وان هذا الفرد في شخص علاوي بنى ظاهرته على اساس العمل في ظروف حرجة ومعقدة لاقامة دولة المؤسسات والقانون .
بعد احداث التغيير في العام 2003 تسيدت المشهد السياسي العراقي قوى سياسية طائفية اخلت بالمعيارين الوطني والديمقراطي ، على الرغم من عملها تحت خيمة الوطن الواحد والثقافة الديمقراطية ، باعتمادها منهج التمييز والاخلال بقيم العدالة الانسانية والمساواة . وقد كادت تلك القوى ان تذهب بوحدة البلاد ، لولا كوابح التوازن الاقليمي والدولي ، على الرغم من معارضة القوى الوطنية والشعب العراقي لمشروعها الطائفي . وقد التحقت بذلك المشروع بعض القوى والرموز المحسوبة على الخط الوطني لفترة طويلة ، في محاولة للحصول على جزء من كعكة السلطة ، او لتجنب المواجهة مع القوى الطائفية التي استطاعت توحيد قواها المختلفة مستخدمة لامكانات ومقدرات الدولة واجهزتها في مواجهة خصومها الوطنيين الذين لم يتمكنوا من لملمة شتاتهم و التخلص من كبريائهم للانصهار في مشروع مقابل .
في هذه الظروف برزت ظاهرة الدكتور اياد علاوي الذي يمتد في تاريخه النضالي في مقارعة النظام الشمولي الى ابعد من تلك المرحلة ، ولم تكن الاقدار وحدها من دفع باياد علاوي ليكون عضوا بارزا في مجلس الحكم ، ومن ثم رئيسا دوريا له فقد كان من الاسماء القليلة التي سمع بها العراقيون ايام المعارضة لدكتاتور العراق القوي . وعلى الرغم من بنية المحاصصة الطائفية السياسية التي حكمت تشكيلة مجلس الحكم انذاك الا ان احدا لم يستطع تجاوز علاوي صاحب المشروع الوطني ليكون اول رئيس وزراء لدولة العراق الحديث وباجماع اعضائه ، مع مباركة اممية وقبول امريكي واستحسان اقليمي .
بدأ رئيس الوزراء العراقي الجديد ، الذي جمع بين يديه السلطتين التشريعية والتنفيذية ، عهده قويا ومتماسكا وملما بطبيعة المجتمع العراقي والمتغيرات الدولية رغم التحديات الجسيمة التي افرزها واقع الاحتلال من تلاشي مؤسسات الدولة وغياب اجهزتها التنفيذية ونقص القوانين التي تستجيب لواقع مابعد التغيير والقدرة على فرضها .
ان الشروع في بناء الدولة ومؤسساتها على اساس وطني حديث مع البدء في استعادة السيادة العراقية منحا اياد علاوي امتياز الاب المؤسس للدولة الوليدة التي لم ترث من سابقتها سوى ركام من الخراب والفوضى والانهيار الاقتصادي والخدماتي مع ارث سياسي معقد من المشاكل العالقة .
ومع دوران عجلة التأسيس والبناء المتسارعة لفترة وزارة علاوي التي لم تتجاوز في عمرها العام برز التحدي الاهم الذي افرزه المشروع الطائفي الجهوي والمتمثل في التمرد على سلطة الدولة وسيادتها في اكثر من منطقة في البلاد ، وقد تم التعامل مع تلك الحالات بروح من المسؤولية والحرص ابتداء بمعالجة الدوافع والاسباب وانتهاء بفرض سلطة الدولة وبسط هيبتها ، بعيدا عن الدوافع السياسية والغايات الحزبية او الجهوية .
كانت مرحلة علاوي تأسيسية حقا في تاريخ الدولة العراقية ، فقد اقترنت ابتداء باستلام السيادة الوطنية من المحتل ، كما اقترنت ببناء مؤسسات الدولة على معايير وطنية ، وتشكيل عدة فرق من الجيش والشرطة والوحدات الامنية والعمل على تاهيلها وتجهيزها وتدريبها وفق احدث الاساليب العلمية ، وتنشيط القضاء ، واطلاق الاعمار والبناء وزيادة الخدمات ، واصدار عملة وطنية جديدة ، وتنشيط الاجهزة الرقابية ودوائر المفتش العام في الوزارات وهيئة النزاهة ، كما تم زيادة المرتبات عدة اضعاف لتحسين المستوى المعاشي للموظفين ، وتنشيط الحياة الاقتصادية باطلاق مشاريع العمل وامتصاص البطالة ، واطلاق المعونات الاجتماعية ، وتحسين مفردات البطاقة التموينية ، واسقاط الكثير من ديون العراق الخارجية ، والانفتاح على المحيط الاقليمي والدولي .
ورغم عظم تلك المنجزات وغيرها التي طبعت مرحلة علاوي القصيرة الا ان مايجعل من شخص الدكتور اياد علاوي ظاهرة سياسية مميزة هو ذلك الاقتران بين علاوي السياسي وعلاوي رجل الدولة ، فرئيس الوزراء العراقي الاسبق والسياسي المعروف لم يعاني ازدواجية داخل وخارج السلطة ، اذ اختط لنفسه طريق الثبات على المبادئ الوطنية بشكل جعل اعتى اعدائه ينظرون اليه بعين الحسد والاعجاب معا . ان تلك الرؤية التي وسمت مسيرة علاوي تستند الى ايمان عميق بصحة المشروع الوطني وهو ماجعل علاوي لايساوم على مشروعه حتى في الوقت الذي بدى فيه الطوفان الطائفي طاغيا على اية حقيقة اخرى . لقد بدى الرجل حينها وحيدا يغرد خارج السرب السياسي ، الا ان مناوئيه الطائفيين الذين تقاذفوه بأقسى اساليب التسقيط الرخيص لم يستطيعوا النيل من تماسكه لتعود ظاهرة اياد علاوي اكثر وضوحا وثباتا .
ربما يكون لمزايا علاوي الشخصية المتسمة بالصلابة والقوة دور اساسي ومهم في محطات المشروع الوطني الذي تتجلى ارهاصاته رغم حجم المؤامرات التي تتهدده حتى الان ، وهو ماجعل هذا المشروع ينتقل من حاضنة حركة الوفاق الوطني الى القائمة العراقية الوطنية فالحركة الوطنية العراقية ومن ثم الى جبهة وطنية عراقية عريضة .
ان هذا العمل الذي يتخذ منحى سياسيا مؤسسيا خطيرا يعود في جزء مفصلي منه الى الكاريزما الطاغية التي يتمتع بها علاوي الفرد والذي تمتزج فيه القوة القيادية والمبدئية والصدقية وهي صفات محببة وقريبة من السيكيولوجيا الجمعية العراقية .
ان ظاهرة اياد علاوي التي بدأت تجتاح الحياة السياسية العراقية باستقطابها للقوى والشخصيات الوطنية ، و باجبارها القوى الاخرى على تعديل خطابها السياسي لينسجم مع الخطاب الوطني ، لم تعد قابلة للايقاف مع تهاوي الطائفية السياسية التي انهكت البلد وارهقت المواطن .
كل المؤشرات تشير الى ان ظاهرة علاوي هي التي ستطبع الحياة السياسية العراقية القادمة .
هادي والي الظالمي
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
|